بعد سنوات من الصراع والاضطراب، تسعى كثير من الاقتصادات الناشئة والخارجة من الأزمات في المنطقة للدخول في عصر التحوّل الرقمي لتعويض ما فاتها من تحديث المؤسسات وخلق فرص عمل لشبابها. لكن هذه المساعي الطموحة تصطدم بواقع اقتصادي وتقني قاسٍ. ففي عام 2024، أطلقت حكومات عدة في المنطقة أنظمة دفع إلكتروني لخدماتها كخطوة نحو رقمنة المعاملات، غير أنها واجهت إخفاقات متكررة جعلتها مثالًا واضحًا على صعوبة الانتقال الرقمي في بيئة غير مهيأة. فانقطاع الكهرباء وضعف الاتصالات وتهالك البنية التحتية أدت إلى تعطّل المنظومات الإلكترونية الجديدة للمصارف والخدمات الحكومية مرات عديدة بحجة "الصيانة"، وتوقفت معها عشرات الخدمات التي زُعم أنها أصبحت متاحة إلكترونيًا. حتى إن بعض التطبيقات المصرفية الحكومية فشلت في العمل بشكل موثوق، مما اضطر المواطنين للعودة إلى الطرق التقليدية لسداد التزاماتهم خوفًا من ضياع المهل. هذه التجربة المريرة دفعت اقتصاديين محليين لانتقاد التسرّع الحكومي في فرض خدمات رقمية دون تجهيز البنية اللازمة، إذ أشاروا إلى أن هذه الاقتصادات ليست جاهزة لانتقال بهذه الوتيرة، مؤكدين غياب الحد الأدنى من متطلبات البنية التحتية والشمول المالي لنجاح التحول المنشود. من جهة أخرى، بدأت الحكومات تُدرك حجم التحدي. فقد سارع وزراء اتصالات إصلاحيون، جاء كثير منهم من القطاع الخاص لإضفاء روح ابتكارية، إلى إشراك الكفاءات المغتربة ضمن خططهم، عبر التواصل مع خبرات التكنولوجيا في الخارج ودعوتهم للعودة أو العمل عن بعد في مشاريع التحول الرقمي الوطني. وبالتوازي، جاء فتح قنوات اتصالات ظلت مغلقة طويلًا، بما في ذلك العودة إلى رابطة GSMA العالمية للاتصالات بعد سنوات من الحظر، ليشير إلى انفتاح جديد على أحدث المعايير الدولية في قطاع الاتصالات الخلوية ويمنح الشركات المحلية وسيلة للوصول إلى التقنيات والخبرات العالمية. هذه الخطوات وإن كانت رمزية، تعطي بصيص أمل بأن عجلة التحول الرقمي بدأت تتحرك، وإن ببطء، على أسس أكثر واقعية تشمل تشريعات متقدمة وشراكات دولية وبناء القدرات المحلية.
مشاريع الرقمنة بين الطموح والمعوقات
يمكن القول إن التحول الرقمي في كثير من دول المنطقة لا يزال في طور التأسيس الأولي، حيث تتلمّس المؤسسات طريقها وسط غيوم من التحديات البنيوية والبشرية. فعلى صعيد الخدمات الحكومية، هناك جهود متفرقة لأتمتة بعض المعاملات، كإصدار الجوازات إلكترونيًا أو رقمنة السجل المدني، لكن خارطة طريق وطنية واضحة ما زالت غائبة في أماكن كثيرة. غياب هذه الرؤية الموحّدة يُضعف التنسيق بين الدوائر المختلفة ويجعل كل مؤسسة تعمل بجزر منعزلة دون ربط فعال لقواعد البيانات. يضاف إلى ذلك النقص الحاد في المهارات الرقمية لدى الكوادر العاملة في القطاع العام، إذ ما زال معظم الموظفين يفتقرون حتى للمهارات الأساسية في الحاسوب، فضلًا عن تخصصات التحول الرقمي المتقدمة. البرامج التدريبية الحالية إن وُجدت فهي غالبًا قصيرة وغير كافية، مما يجعل تطوير الموارد البشرية إحدى أكبر العقبات أمام رقمنة المؤسسات. الحل الذي يقترحه الخبراء يتضمن إطلاق برامج تدريب وطنية مستدامة، كأكاديميات رقمية بالتعاون مع الجامعات والشركات التقنية، تركز على مجالات مثل الأمن السيبراني وتحليل البيانات وإدارة المنصات والذكاء الاصطناعي. وهذه المجالات بالذات تمثّل احتياجات فعلية ظهرت مع بدء التطبيق المحدود للمشاريع الرقمية. فمثلاً تعطّل منظومة الدفع الإلكتروني الحكومية أوضح أهمية وجود متخصصين في أمن المعلومات وصيانة الخوادم لضمان استمرارية الخدمات.
في المقابل، لا يخلو المشهد من نقاط مضيئة. فانعقاد مؤتمرات دولية للتحول الرقمي في المنطقة خلال 2025، وبعضها في دورته الرابعة، عكس إصرارًا رسميًا على مواكبة التحولات العالمية. وأحد هذه المؤتمرات، الذي حمل عنوان "أثر الشمول المالي الرقمي على النمو الاقتصادي"، جاء متزامنًا مع أنباء إيجابية عن رفع بعض العقوبات الدولية وعودة التواصل المصرفي عبر نظام SWIFT. وقد أشار القائمون عليه إلى أن استعادة الروابط المالية والتجارية العالمية ستفتح فرصًا جديدة للاستثمار في الاقتصاد الرقمي وريادة الأعمال. كما شهد الحدث مشاركة خبراء عرب وأجانب وممثلين عن مؤسسات إقليمية، ما يدل على الرغبة في الاستفادة من التجارب الخارجية الناجحة. إلى جانب ذلك، بدأت قطاعات أخرى بالتحرك. فوزارات الاتصالات تعمل على تعزيز الأمن السيبراني عبر تحديث التشريعات وإنشاء مراكز وطنية مختصة، وجرى الإعلان عن خطط لتطوير البنية التحتية الرقمية بشراكات مع شركات إقليمية ودولية، مثل تحديث شبكات الألياف الضوئية ومحطات الربط البحري، بهدف ربط هذه الاقتصادات رقمياً بين الشرق والغرب إذا سمحت الظروف. هذه التوجهات تشير إلى إدراك متزايد بأن التحول الرقمي ليس مجرد ترف إداري، بل ضرورة استراتيجية لتحقيق التنمية الاقتصادية وجذب الاستثمارات. فبدون رقمنة خدمات الحكومة وقطاعات المال والأعمال، ستبقى هذه الاقتصادات متأخرة في بيئة إقليمية تتسارع نحو الاقتصاد الرقمي.
فرص خلق الوظائف: التجربة الإقليمية بالمقارنة مع لبنان والعراق
يطرح التحول الرقمي في المنطقة سؤالًا جوهريًا. هل يوفّر هذا التحول فرص عمل جديدة تُسهم في التخفيف من البطالة وتحريك عجلة الاقتصاد؟ الإجابة تحمل جوانب متعددة. فمن جهة، أدت الرقمنة الجزئية لهذه الاقتصادات حتى الآن إلى نشوء أنماط توظيف جديدة، أبرزها انتشار العمل عن بعد وازدهار منصات العمل الحر على الإنترنت بين الشباب. وبحسب تقرير حديث، لجأ عدد كبير من العاملين في المنطقة (خاصة في الفئة العمرية 20 إلى 40 عامًا) إلى اقتصاد التعهيد والعمل المستقل عبر منصات مثل خمسات ومستقل، بحثًا عن دخل أفضل ومرونة في ظل تدني رواتب الوظائف المحلية. وقد تصاعدت أعداد هؤلاء العاملين عن بعد تحديدًا بعد حملات حكومية لتقليص الجهاز الوظيفي وتسريح الآلاف من الموظفين العموميين ضمن خطط الإصلاح الإداري، مما دفع كثيرين إلى إعادة التأهيل الرقمي والاتجاه للعمل عبر الإنترنت. توفر منصات العمل الحر فرصًا في مجالات البرمجة والتصميم وصناعة المحتوى والترجمة والتسويق وغيرها، وقد أصبحت بالفعل بديلًا ناجعًا لتعويض عجز القطاع العام عن خلق وظائف لائقة. هذا التحوّل في ثقافة العمل هو أحد الآثار الجانبية الإيجابية للاستفادة من التكنولوجيا، إذ تمكن آلاف الأشخاص من كسب دخل بالدولار أو العملات الصعبة دون الحاجة لمغادرة بلدانهم، مستفيدين من الفجوة الرقمية التي تسمح بتصدير المهارات عبر الحدود.
من جهة أخرى، تراهن الحكومات على أن المشاريع الرقمية الكبرى يمكن أن تخلق فرص عمل محليّة مباشرة في قطاع التكنولوجيا. فقمم الذكاء الاصطناعي التي عُقدت في المنطقة خلال 2025 برعاية حكومية هدفت صراحةً إلى دعم المواهب الشابة ودمجها في الاقتصاد الرقمي، وأعلن المنظمون أنها قد تكون منطلقًا لتنفيذ مشاريع تُفضي إلى خلق عشرات الآلاف من فرص العمل الجديدة في قطاع التكنولوجيا المحلي. هذا الرقم الطموح يرتبط بتوقعات توسع نشاط شركات البرمجيات والتجارة الإلكترونية والخدمات التقنية في حال نجاح التحول الرقمي. ولنا أن ننظر إلى تجارب بلدان قريبة لنستشرف الإمكانيات. في لبنان مثلًا، ورغم أزمته، ساهم نمو التجارة الإلكترونية والعمل عن بعد بعد 2020 في إيجاد فرص عمل بديلة لعدد من الشباب إما بإطلاق مشاريعهم الخاصة أو بالانضمام لشركات ناشئة تخدم أسواقًا خارجية. كما أن استمرار الاعتماد على الوسائل الرقمية للتسويق والبيع في لبنان عزز قطاعات مساندة كخدمات التوصيل والدفع الإلكتروني، التي أصبحت توظف المئات رغم كل التحديات. أما العراق، وهو بلد خارج من صراعات بدوره، فقد تبنّى استراتيجية واضحة للتحول الرقمي أسهمت في تعزيز الشمول المالي وخلق وظائف في مجال التكنولوجيا المالية. اتخذ البنك المركزي العراقي قرارًا جريئًا بإلزام كافة مؤسسات الدولة بالتحوّل إلى الدفع الإلكتروني وإيقاف التعاملات النقدية اعتبارًا من منتصف 2025، مما أدى إلى تسارع هائل في نمو عمليات الدفع الإلكتروني في القطاعين العام والخاص. وارتفع عدد المؤسسات الحكومية التي تعتمد أنظمة الدفع الإلكتروني إلى 600 مؤسسة بحلول 2024. هذه التحولات في العراق تطلبت توظيف كوادر تقنية لإدارة المنصات المالية الإلكترونية وأنظمة البطاقات الذكية، بل إن بغداد أعلنت مشروعًا لإصدار بطاقة دفع إلكترونية وطنية قبل نهاية 2025 لتعزيز البنية المالية الرقمية. مثل هذه المشاريع وفّرت ولا شك فرص عمل لمبرمجين ومحللي بيانات ومختصي أمن سيبراني ومديري نظم وغيرها من المهن التقنية الحديثة.
وعلى مستوى المنطقة، يمكن استلهام هذه التجارب الإقليمية لصياغة نموذج محلي يربط التحول الرقمي بخلق فرص العمل. فعندما يعود التواصل المصرفي الخارجي وتتوسع خدمات الدفع الإلكتروني، ستحتاج المصارف وشركات الاتصالات المحلية إلى موظفين مؤهلين لإدارة الأنظمة الجديدة وصيانتها. وعندما تُطلق الحكومات منصات إلكترونية للخدمات، سينشأ طلب على مختصي دعم فني ومصممي تجربة المستخدم لضمان جودة الخدمة للمواطنين. أضف إلى ذلك أن ريادة الأعمال الرقمية بحد ذاتها تخلق فرصًا غير مباشرة، فكل متجر إلكتروني جديد أو تطبيق خدمة محلية يوظّف مطورين ومسوقين وربما مندوبين لتوصيل المنتجات. لذا فإن الاستثمار في البنية التحتية التقنية وتحديث القوانين ليس هدفه تسهيل حياة المواطنين فحسب، بل هو في جوهره استثمار في سوق عمل جديد سينمو حول اقتصاد التكنولوجيا. ولعل أهم درس يمكن أن تتعلمه هذه الدول من جيرانها هو أن التحول الرقمي عملية متكاملة تتطلب رؤية شاملة. ففي لبنان مثلًا، غياب الدعم الحكومي حدّ من الأثر الإيجابي لمبادرات الشباب الرقمية، بينما في العراق اقترن التحول الرقمي بقيادة مركزية من البنك المركزي وسياسات دولة واضحة مما سرّع الفوائد.
في الخلاصة، التحول الرقمي في المنطقة بعد سنوات الحرب يمثل بارقة أمل اقتصادية رغم كل العوائق. فهو يحمل وعدًا بخلق وظائف وتمكين جيل جديد من العمل في قطاعات حديثة، لكن هذا الوعد مشروط ببناء الأساسات الصحيحة. فحيثما استطاعت هذه الاقتصادات تعزيز شبكات الاتصالات والكهرباء، وتدريب كوادرها الشابة على مهارات العصر الرقمي، وإقامة شراكات مع شركات التقنية العربية والدولية، كما بدأ بعضها يفعل عبر مؤتمراته وقنواته الدبلوماسية، فقد تختصر سنوات طويلة من التطور وتلحق بالركب. وحيثما أخفقت، ستظل التقنيات مقتصرة على مبادرات فردية هنا وهناك دون أثر تنموي واسع. التحدي كبير لكن الفرصة كذلك تاريخية. فإما أن تُصبح الرقمنة قاطرة لإعادة الإعمار الاقتصادي وتوفير فرص العمل للشباب الطموح، أو تبقى مجرد شعار رنان في خطط دون تنفيذ فعلي على الأرض.